مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
256
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
فنزلت عن فرسي وبقيت أتخطّى رقاب النّاس حتّى قربت من باب الخيمة ، وكان زين العابدين عليه السلام داخلًا ، فخرج وبيده منديل يمسح به دموعه وكان عمره يومئذ على ما نقل أحد عشر سنة ، فجلس على كرسيّ له ، وهو لا يتمالك على نفسه من شدّة البكاء ، والنّاس يعزّونه وهم مع ذلك يبكون وينحبون ، فأومى إليهم أن اسكتوا فقام وقال : الحمد للَّهربّ العالمين مالك يوم الدِّين بارئ الخلائق أجمعين الّذي بعد فارتفع في السّماوات العلى وقرب فشهد النّجوى نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدّهور وألم الفجائع ومضاضة اللّواذع وجليل الرّزء وعظيم المصائب . أيُّها النّاس ! إنّ اللَّه له الحمد وله الشّكر قد ابتلانا بمصائب جليلة ، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام ورزء جليل في الأنام ، قتل أبي الحسين وعترته وأنصاره وشيعته ، وسبيت نساؤه وذرِّيّته ، وطيف برأسه في البلدان من فوق عالي السّنان فهذه الرّزيّة تعلو على كلّ رزيّة ، فإنّا للَّهوإنّا إليه راجعون . أيُّها النّاس ! مَن منكم يسرّ قلبه بعد قتل أبي ، وهو ابن بنت رسول اللَّه ، أم أيّة عين تحبس وتضِنُّ بانهمالها فلقد بكت السّبع الشّداد لقتله ، والسّبع الطّباق لفقده ، وبكت البحار بأمواجها والسّماوات بأركانها وسكّانها ، والأرضون بأرجائها والأشجار بأغصانها ، والطّيور بأوكارها ، والحيتان في لجج البحار والوحوش في البراري والقفار ، والملائكة المقرّبون والسّماوات والأرضون . أيُّها النّاس ! أيّ قلب لا ينصدع لقتله ولا يحزن لأجله . أيُّها النّاس ! أصبحنا مشرّدين لائذين شاسعين عن الأمصار كأ نّنا من أولاد الكفّار من غير جرم اجترمناه أو مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ولا فاحشة فعلناها ، فوَاللَّه لو أنّ النّبيّ أوصى إليهم في قتالنا لمّا زادوا على ما فعلوه بنا ، فإنّا للَّهوإنّا إليه راجعون ، ثمّ قام يمشي إلى دار الرّسول ليدخلها « 1 » ، وأمّا أمّ كلثوم فحين توجّهت إلى
--> ( 1 ) - [ من هنا حكاه في البحار والعوالم والدّمعة وينابيع المودّة ونفس المهموم وتظلّم الزّهراء والمعاليوالعيون وزينب الكبرى ووسيلة الدّارين ] .